الآلوسي
33
تفسير الآلوسي
علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال له : فعلت فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه - فنزلت ، والله تعالى أعلم بصحته . وعبد الله هذا هو الرجل المبهم في الخبر الأول ، وهو ابن نبتل بفتح النون وسكون الباء الموحدة وبعدها تاء مثناة من فوق ولام ابن الحرث بن قيس الأنصاري الأوسي ذكره ابن الكلبي . والبلاذري في المنافقين ، وذكره أبو عبيدة في الصحابة فيحتمل كما قال ابن حجر : إنه اطلع على أنه تاب ، وأما قوله في " القاموس " : عبد الله بن نبيل - كأمير - من المنافقين فيحتمل أنه هو هذا ، واختلف في ضبط اسم أبيه ويحتمل أنه غيره . * ( أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * . * ( أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ ) * بسبب ذلك * ( عَذَاباً شَديداً ) * نوعاً من العذاب متفاقماً * ( إنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * ما اعتادوا عمله وتمرنوا عليه . * ( اتَّخَذْواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) * . * ( اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ ) * الفاجرة التي يحلفون بها عند الحاجة * ( جُنَّةً ) * وقاية وسترة عن المؤاخذة ، وقرأ الحسن - إيمانهم - بكسر الهمزة أي إيمانهم الذي أظهروه للنبي صلى الله عليه وسلم وخلص المؤمنين ؛ قال في " الإرشاد " : والاتخاذ على هذا عبارة عن التستر بالفعل كأنه قيل : تستروا بما أظهروه من الإيمان عن أن تستباح دماؤهم وأموالهم ، وعلى قراءة الجمهور عبارة عن إعدادهم لأيمانهم الكاذبة وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويخلصوا عن المؤاخذة لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية ، وعن سببها أيضاً كما يعرب عنه الفاء في قوله تعالى : * ( فَصَدُّواْ ) * أي الناس . * ( عَن سَبيل الله ) * في خلال أمنهم بتثبيط من لقوا عن الدخول في الإسلام وتضعيف أمر المسلمين عندهم ، وقيل : فصدوا المسلمين عن قتلهم فإنه سبيل الله تعالى فيهم ، وقيل : * ( صدوا ) * لازم ، والمراد فأعرضوا عن الإسلام حقيقة وهو كما ترى * ( فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهينٌ ) * وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم ، وقيل : الأول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة ، ويشعر به وصفه بالإهانة المقتضية للظهور فلا تكرار . * ( لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَائِكَ أَصْحَابالنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) * . * ( لَّن تُغْنَى عَنْهُم أَمْوالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُم مِّنَ الله شَيْئاً أُوْلَائكَ أَصْحَابالنَّار هُمْ فيهَا خَالدُونَ ) * قد سبق مثله في سورة آل عمران ، وسبق الكلام فيه فمن أراده فليرجع إليه . * ( لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلَادُهُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَائِكَ أَصْحَابالنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) * . * ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَميعاً ) * تقدم الكلام في نظيره غير بعيد * ( فَيَحْلفُونَ لَهُ ) * أي لله تعالى يومئذٍ قائلين : * ( والله ربنا ما كنا مشركين ) * ( الأنعام : 23 ) * ( كَمَا يَحْلفُونَ لَكُمْ ) * في الدنيا أنها مسلمون مثلكم ، والتشبيه بمجرد الحلف لهم في الدنيا وإن اختلف المحلوف عليه بناءاً على ما قدمنا من سبب النزول * ( وَيَحْسَبُونَ ) * في الآخرة * ( أَنَّهُمْ ) * بتلك الأيمان الفاجرة * ( عَلَى شَيْء ) * من جلب منفعة أو دفع مضرة كما كانوا عليه في الدنيا حيث كانوا يدفعون بها عن أرواحهم وأموالهم ويستجرون بها فوائد دنيوية * ( أَلاَ إنَّهُمْ هُمُ الْكَاذبُونَ ) * البالغون في الكذب إلى غاية ليس وراءها غاية حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب ، وزعموا أن أيمانهم الفاجرة تروج الكذب لديه عز وجل كما تروّجه عند المؤمنين . * ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَائِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ ) * . * ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهمُ الشَّيْطَانُ ) * أي غلب على عقولهم بوسوسته وتزيينه حتى اتبعوه فكان مستولياً عليهم ، وقال الراغب : الحوذ أن يتبع السائق حاذي البعير أي أدبار فخذيه فيعنف في سوقه يقال : حاذ الإبل يحوذها أي ساقها